الـ Consistency أو الاستمرارية

Consistency

عندما تكون مستقلًا أو صاحب مشروع أو عمل تجاري؛ فهذا يعني الحرية المطلقة بوقتك وقراراتك ويومك وكل ما تقوم به، وهذا الأمر أساسي لصناع المحتوى والمبدعين،

لكن ومع هذه الحرية يأتي مفهوم أساسي في مسيرتك الشخصية أو مسيرة عملك ومشروعك، وهو مفهوم الاستمرارية أو الثبات Consistency وهو بزاوية معينة يعاكس مفهوم الحرية التي دفعتك بالدرجة الأولى للتوجه إلى العمل الحر أو الاستقلالية وتأسيس عملك الخاص.

مفهوم الاستمرارية:

الـ Consistency كمفهوم يعني الالتزام والثبات والاستمرار بجزئية. أو تصرف معين بشكل دوري ومستمر، فلو قلنا إنك مصور فوتوغرافي فهذا يعني الاستمرار في نشر صورك على موقعك أو شبكاتك الاجتماعية بشكل مستمر وبرتم دوري ثابت أو متتالٍ، دون الانقطاع المستمر، والاختفاء عن المهتمين بما تقوم به أو حتى عملائك ورواد عملك التجاري.

ولنتخيل أنك صاحب مقهى تديره بنفسك، وتفتح أبوابه وتبدأ نشاطك فيه الساعة 07:00 صباحًا يوميًّا، ثم قررت فجأةً تغيير الوقت إلى الساعة 10:00 صباحًا لمدة يومين، ثم عدت للموعد السابق، ثم قررت إغلاقه بشكل كامل ليومين، ثم عدت للالتزام، ثم التوقف، وهكذا؛ إلى أن تفقد مع الوقت اعتماد الناس عليك وعلى مقهاك؛ وبالتالي انخفاض مبيعاتك، وزيادة خسائرك تدريجياً، وهو ما يعني مع الوقت خسارتك بشكل كامل.

الفوائد التي أجدها في الاستمرارية:

تجلب الاستمرارية الالتزام، والالتزامالعقلاني” .. يجلب الإبداع:
وما أقصده بالالتزام العقلاني هو الالتزام المبني على هدف حقيقي وسامٍ تعمل لأجله، وليس لمجرد الحضور أو فعل شيء ما بدون معنى وهدف للحصول على مقابل مادي .. وهذا يعني أنك تتقاضى فعليًا مقابلًا عن حضورك وليس عن عملك وهو حال أغلب الوظائف التقليدية.

تفرض عليك الاستمراريةُ التطورَ بمستواك بشكل لا إرادي:
وهي إحدى بديهيات الممارسة المستمرة؛ إذ إنها مرتبطة بالحرية؛ وهذا يعني أن عملك وما تقوم به اما لهدف واضح لديك، أو لتحقيق ذاتك ممارسة هواية أو شيء تحبه .. وهو ما يعني أنك في كلتا الحالتين ستكون أفضل مع مرور الوقت، وليس العكس.

ترتب الاستمرارية أولوياتك مع الوقت:
من السهولة المطلقة أن تخوض في العديد من المجالات والمشاريع، وتختلط عليك الأفكار والطرق؛ ولكن مع مرور الوقت ستفرض عليك الاستمرارية حتمًا أولويات معينة، فلو كنت مصممًا فسيكون من أولوياتك نشر أعمالك وأفكارك أكثر من أي شيء آخر، وقد ترفض من أجل ذلك فرصًا مهنية كاملة للحفاظ عليها، مما يدل على أنك تعمل لهدف واضح وأكبر .. وهي الغاية الحقيقية للاستمرارية.

تحديات الاستمرارية:

تختلف الاستمرارية عن العمل الوظيفي وساعات الدوام:
حيث ينساق صناع المحتوى “والمقصود بصناع المحتوى: المصممين، والمصورين، والكتاب، والمطورين وكل ما يصنع ويقدم شيئًا” بشكل لا إرادي الى النفور من الاستمرارية لأنها تشبه الالتزام، ويرتكز الفرق بينهما على أهدافك والنتائج التي تعود إليك من هذا الاستمرار، وهل أنت مجبر عليه أم لا.

الاستمرارية المهدِّد الأول لمسيرة أي شخص:
فهي التحدي الأكبر لجميع صناع المحتوى والمشاريع، فكم مشروعٍ وفكرةٍ أسسها من حولك ومن تعرفه، ولكنه مع الوقت تخلى عنها وتوقف إلى أن مات واختفى هو وأفكاره، والسبب الذي يجعلها المهدد الأول أنها وفي أغلب الأحيان لا تكون ظاهرة وواضحة، ويكون تخليك عنها أو نسيانها بالتدريج وليس بشكل مفاجئ وواضح.

عدم الاستمرارية ستفقدك المهتمين:
بالعودة لمفهوم المقهى، فإن عدم استمراريتك قد لا تعني بالضرورة غياب رواد المقهى بشكل كامل، فهناك دائمًا من يزور الشارع للمرة الأولى ويمر بالمقهى الخاص بك؛ لكنك ستخسر حتمًا الرواد الدائمين والمهتمين به وهم بطبيعة الحال الغاية الحقيقية والهدف الأساس من عملك، وهنا تكمن المشكلة الكبرى، ففقدانهم يعني الموت البطيء لعملك ومهنتك.

تفرض الاستمرارية عليك التعامل مع الظروف اللاإرادية:
الظروف اللاإرادية والاستثنائية ورغم صعوبتها والمتمثلة بالسفر أو حتى المرض أو غيرها، متعبة ومملة؛ لكنها مرتبطة بالزمن وليس بالشخص نفسه وإرادته، وهذا يعني أنها وإن استمرت يومًا، أو يومين، أو أسبوعًا أو حتى شهرًا فحتمًا ستنتهي وتختفي، وحتى تلك الظروف الاستثنائية الدائمة ستجبرك على تحملها أو الالتفاف حولها والتعامل معها بكل سلاسة، بل قد تزيد الشخص في أغلب الأحايين –وهي ميزة فيها- إصرارًا وصبرًا حتى انقضائها أو الاعتياد عليها واستئناف الاستمرارية والإنجاز.

قد تعني الاستمرارية في بعض الأحيان التطور البطيء:
بعيدًا عن المثالية المفرطة، ليس بالضرورة أن تعني الاستمرارية التغيير الكبير والنقلات النوعية في مجالك وعملك أو مشروعك؛ ففي حال لم تحالفك الإمكانيات والقدرة، فأن تبقي نفسك أو المشروع يعمل باتزان قدر الإمكان أو بزيادة أو تطور بسيط ومستمر، فأنت تحقق بذلك هدف الاستمرارية “لكن على أن يكون لديك هدف أكبر وهو التطوير والانتقال لمرحلة أكثر تقدمًا”.

بالنهاية الاستمرارية فخ أيضًا:

الاستمرارية ليست دائمًا الحل؛ فقد تكون في بعض الأحيان فخًّا، وقد يكون الانسحاب أو التوقف حلًا أجدى وذا فائدة أكبر، فأن تستمر بما تقوم به حتى يقال عنك “غير متنازل أو لمجرد العناد” فهذا يعني أنك تتراجع وتقتل وقتك وجهدك، وكيلا تقع بفخها راقب مستواك ومستوى عملك وما تقوم به، فلو بقي هدف الاستمرارية موجودًا والنتائج موجودة وتزداد وتتطور مع الوقت فلا تنسحب، ولو اختفى الهدف والنتيجة توقف عما تقوم به وابدأ من جديد.

مصمم جرافيك مستقل تماماً من 09 أعوام، مختص بإنشاء وتطوير الشعارات، واجهات الاستخدام ومهتم بتصميم وتطوير الويب ومدون أحياناً أكتب عن بعض تجاربي مع العمل الحر والتصميم وأفكارهما،

5 تعليقات

  1. شكرًا محمد على هذه التدوينة الرائعة. بالفعل ومنذ أن انتقلت للعمل الحر قرّرت أن أفرض على نفسي نموذج للاستمرارية حيث استيقظ باكرًا بشكل يومي لممارسة الرياضة ثم البدء في العمل، الأمر الذي يستغربه جميع من حولي كوني مُستقل وهم موظّفون، لكنني أجد في ذلك مثلما ذكرت أنت راحة على المستوى العقلي.
    لكن قبل فترة من الزمن قرأت أنها أيضًا فخ لأنك قد تُصبح حبيسها، يعني لو وضعت برنامج عمل يومي لك واتّبعته أمر جيّد، لكنها قد تتحوّل لنقمة لو تعلّقت بذلك البرنامج، ففي حالة حصول أي أمر طارئ لن تتحلّى بالمرونة اللازمة لتجاوز الأمر وستشعر أن شيء ما أثّر على برنامجك اليومي الذي تعلّقت به. لهذا السبب نصح الكاتب وقتها بضرورة تقسيم النهار على هيئة مهام بغضّ النظر عن الوقت، يعني كمحاولة لوضع برامج للاستمرار عليه دون الحاجة لتحديد أوقات عمل.

    • شكراً يافراس على ماأضفته، وصراحة أغبطك على نظام الرياضة اليومي .. ولي محاولة جديدة معه قريباً :)
      وأيضاً متفق مع فكرة تقسيم اليوم لمهام وليس لساعات أو برنامج عمل.

  2. وما العمل إن كُنت لا استطيع الأستمرارية في جميع الأوقات :(

  3. شكرا جزيلا محمد على هده المقالة القيمة لقد وضعت يدك على الجرح منذ زمن وانا ابحث عن الطرق المثالية لكي التزم بعملي فمنذ فترة بدأت احس بالملل و عدم القدرة على الاستمرار بنفس الانتاجية و الحماس الذي كنت عليه من قبل خصوصا بعد ان انشأت مشروعا ثانيا ومع كثرة السفريات اصبحت اجد صعوبة في الاستمرار في مشروعي الاول على كل حال اشكرك على مقالتك الرائعة ساجعلها مرجعا لي

  4. الإستمرارية هي أهم مشكلة تواجهني الآن
    لقد كتبت العديد من الخطط مثل المحافظة على التمارين الرياضية يوميا، وقراءة كتاب لمدة نصف ساعة، ... الخ لكني أقوم ببرنامجي لمدة أسبوع أو اسبوعين ثم أبدأ في التهاون. هذه المشكلة جعلتني أتوقف نهائيا عن التخطيط لأني أعتقد أني لن ألتزم بالخطة كما جرت العادة.
    معظم الناجحين في مختلف المجالات يعزون نجاحهم إلى الإستمرارية في التمارين أو العمل على مشروعهم حتى وإن لم يرو النتائج على المدى القريب أو شعرو بالرغبة في الكسل والتسويف.

اترك رداً

سأكون سعيداً بتعليقك ورأيك - كما لن يتم نشر أو مشاركة بريدك الاكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.